المركز القانونى للمحاماة والاستشارات القانونية - عبد الباقى عبد الجليل المحامى




(مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ) ق الآية 18

مرحبا بك زائرنا الكريم يسعدنا التواصل معكم

المركز القانونى للمحاماة والاستشارات القانونية - عبد الباقى عبد الجليل المحامى

منتدى اسلامى - قانونى - ثقافى
 
الرئيسيةالبوابةالتسجيلدخول
مواضيع تهمك: فقه السنه اضغط هنا
إحذروا ... قال تعالى ( مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)الآيه :18 سورة : ق

شاطر | 
 

 صلاح الدين الأيوبى وحرب الاسترداد الإسلامية (تحرير القدس من الفرنج)

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
فاتن

avatar

المهنة : شئون قانونية
الجنس : انثى
علم الدولة علم الدولة :
عدد المساهمات : 87
نقاط : 4512
السٌّمعَة : 7
تاريخ الميلاد : 11/07/1987
تاريخ التسجيل : 14/04/2012
العمر : 30
العمل/الترفيه : البحث والاطلاع
المزاج : الحمد لله

مُساهمةموضوع: صلاح الدين الأيوبى وحرب الاسترداد الإسلامية (تحرير القدس من الفرنج)   الخميس 5 مايو - 5:56


صلاح الدين الأيوبى وحرب الاسترداد الإسلامية (تحرير القدس من الفرنج) – بقلم الدكتور قاسم عبده قاسم

مشاهد ثلاثة حكمت قصة القدس زمن الحروب الصليبية .    

المشهد الأول : ذات صباح غائم من أيام شهر نوفمبر 1095م , وفى حقل فسيح بين التلال فى أوفرينى  Auvregne  خارج كليرمون Clermont   فى الجنوب الفرنسى , وقف البابا أوربان الثانى   Urban II , الفرنسى الأصل , يلقى خطبة حماسية كانت بمثابة “ إعلان حرب “ ضد المسلمين (1) . وداعبت كلمات البابا التى جمعت بين التهم الكاذبة والدعاية الظالمة ضد المسلمين , وبين التعصب النزق والتحريض الحماسى ضدهم , أوتار الطمع والعنف , والتدين الظاهرى , والطموح السياسى والعسكرى فى نفوس الحاضرين الذين كانوا مزيجا من الفرسان والنبلاء الإقطاعيين . وكانت الخطبة والاستجابة الحماسية من جانب الحاضرين نوعا من المسرحيات التى تم توزيع الأدوار فيها مسبقا ؛ إذ تمثلت هذه الاستجابة من جانب الحاضرين فى صيحة حماسية بعبارة “ الرب يريدها…. الرب يريدها “ (2) . وهكذا بدأت الحروب الصليبية …..

المشهد الثانى : فى يوم قائظ  من شهر يوليو 1099م  سقطت مدينة القدس ودخلها الفرنج الصليبيون , بعد حصار استمر خمسة أسابيع . وأعقبت سقوط المدينة المقدسة مذبحة رهيبة ,وأبيحت المدينة وسكانها على مدى ثلاثة  أيام للنهب,والسلب, والقتل . وبقيت الجثث مطروحة فى أرجائها وشوارعها عدة أيام …..

وفى هذا الجو الموحش الكئيب , الذى يلفه الدخان والغبار, وتغلفه الروائح الكريهة المنبعثة من المنازل المحترقة , والجثث العفنة , اجتمع الصليبيون فى كنيسة القيامة لأداء صلاة الشكر . وترددت عبارة “ نشكرك يارب “ فى أرجاء الكنيسة العتيقة .(3) وهكذا, بدأ الوجود الصليبى على الأرض العربية ….

المشهد الثالث : فى يوم من أيام شهر أكتوبرسنة 1187م (27 رجب سنة 538 هجرية), صلاح الدين الأيوبى يدخل القدس المحررة  على رأس قواته بعد أن ظلت فى الأسر بضعا وثمانين سنة. وفى هذه المرة كان المشهد إنسانيا يناقض المشهد الوحشى الهمجى الذى صاحب الغزو الفرنجى الصليبى للمدينة . وأقيمت خطبة الجمعة فى المدينة المحررة بعد أن ظلت ممنوعة زمنا طويلا (4) .

وهكذا بدأت نهاية الوجود الصليبى على الأرض العربية …..

كانت هذه المشاهد الثلاثة التى دارت حولها قصة القدس فى عصر الحروب الصليبية ؛ بيد أن المشهد الأخيروحده هو المشهد الذى تهتم به هذه الدراسة . إذ إن ملحمة التحرير التى قادها صلاح الدين اليوبى بدأت منذ اللحظات الدامية التى سقطت فيها المدينة أمام جحافل الفرنج الظالمة فى السنة الأخيرة من القرن الحادى عشر الميلادى حقا , كما أن القدس كانت رمزا وعنوانا للوجود الصليبى “ مملكة بيت المقدس “ حقا , ولكن “ صلاح الدين “ كان رمزا وعنوانا على المقاومة والجهاد الإسلامى ضد العدوان ,وكان هو الذى كرَس حياته لتحرير القدس على نحو ما سنرى فى هذه الدراسة .

*****

لم يكن انتصار الصليبيين فى الحملة الصليبية الأولى واستيلاؤهم على بيت المقدس تعبيرا عن توازن القوى الحقيقى بينهم وبين المسلمين ؛ وإنما كان نتيجة لحال من التشرذم السياسى وميراث الشك والمرارة بين حكام المنطقة العربية الذين أعمتهم الأنانية السياسية وقصور النظر , وخمول الهمة , عن رؤية مصالح الأمة . ومن ناحية أخرى كانت القوتان الأساسيتان فى المنطقة (الخلافة العباسية السنية فى بغداد والخلافة الفاطمية الشيعية فى القاهرة ) تتنازعان النفوذ والسلطان وتشتركان فى مظاهرالوهن والضعف . وكانت الدويلات والإمارات القزمية فى بلاد الشام تشكل فسيفساء سياسية لا يوازيها إلا الفسيفساء العرقية والدينية والمذهبية فى هذه  البلاد . وفى تقديرى أنه لايمكن تفسير نجاح الحملة الصليبية الأولى سوى فى ضوء هذه الاعتبارات المتعلقة بالمنطقة العربية نفسها ؛ فقد كان الصليبيون أقل عددا وعدة , وأدنى فى مستواهم الحضارى وأساليبهم العسكرية من المسلمين , ولكنهم انتصروا . ولم يكن هذا الإنتصار ناتجا عن تدخل الرب والقديسين إلى جانب الصليبيين كما زعم مؤرخو الحملة الصليبية الأولى الذين كان معظمهم من رجال الكنيسة الكاثوليك بطبيعة الحال .

لقد كان نجاح الصليبيين فى إقامة مملكة وثلاث إمارات على الأرض العربية فى فلسطين وبلاد الشام صدمة نفسية لسكان المنطقة العربية الذين ظنوا فى البداية أن الصليبيين قوم من المرتزقة العاملين فى خدمة الإمبراطورية البيزنطية ؛ ولكن ماجرى فى سنة 1099م ومابعدها جعلهم يدركون أن الصليبيين جاءوا إلى بلادهم بقصد البقاء . وبرزت أمامهم حقائق جديدة مؤلمة على المستوى السياسى والعسكرى (5) . وكان لابد أن يتصاعد رد الفعل من جانب المسلمين: ففى الشمال كان الأتراك السلاجقة يشنون هجماتهم العنيفة على الفرنج الصليبيين , كما أسروا الأمير بوهيموند حاكم أنطاكية الصليبى , وبلدوين كونت الرها , وجوسلين , وأنزلوا عدة هزائم فادحة بالصليبيين . وفى الجنوب , شن المصريون الهجمات من قاعدتهم فى عسقلان بفلسطين , وأنزلوا بعض الهزائم بالصليبيين فى سنوات 1101م , 1102م , 1105م ؛ ولكنهم توقفوا بعد هذا التاريخ بسبب مشكلاتهم الداخلية (6) وفى سنة 548هجرية / 1153م تمكن الصليبيون من الاستيلاء على عسقلان التى كانت آخر المعاقل المصرية فى فلسطين .

كانت الدولة الفاطمية قد وصلت إلى حال من الضعف  الذى أغرى القوى المجاورة من المسلمين على السواء بمحاولة الاستيلاء على تركة “ الرجل المريض” الراقد على ضفاف النيل . ولم يكن هذا” الرجل المريض “ سوى الدولة الفاطمية التى لم يبق لها من مجدها القديم سوى ظل باهت وذكريات غابرة . وهكذا بدأ السباق بين نور الدين محمود (الذى خلف والده عماد الدين زنكى الذى كان قد نجح فى تحرير الرها سنة 1144م ) وأمالريك الأول ملك بيت المقدس الصليبى (1163م- 1174م ) (7) الذى عرفته المصادر التاريخية العربية باسم “عمورى” للفوز بحكم مصر . ثم جاءت الفرصة تسعى للطرفين اللذين لم يتردد أى منهما فى الإمساك بها : فقد اندلع الصراع على كرسى الوزارة الفاطمية الذى كان من يجلس عليه هو صاحب السلطة الفعلية(Cool. وفى خضم هذا الصراع , سعى شاور إلى طلب المساعدة من نور الدين محمود . ومن ناحية أخرى ؛ قرر عمورى انتهاز الفرصة للزحف على مصر. وجاء الجيش الإسلامى بقيادة     “ أسد الدين شيركوه “ , وكان معه فى الجيش ضابط شاب فى السابعة والعشرين من عمره ؛ هو صلاح الدين الأيوبى الذى ظهر اسمه للمرة الأولى على المسرح السياسى فى المنطقة العربية ليصير فى غضون سنوات قليلة شخصية ملء القلب والعين واللاعب الرئيسى  على هذا المسرح , والمحرك الأول للأحداث فى المنطقة.

وبعد عدة تقلبات درامية فى الأحداث , انتهت بمصرع كل من ضرغام وشاور المتنافسين على كرسى الوزارة , وخروج الصليبيين من السباق خاسرين بعد ست جولات (9), تولى أسد الدين شيركوه الوزارة الفاطمية  وحمل لقب “الملك المنصور أمير الجيوش “(10) ؛ ولكنه لم يلبث أن توفى بعد حوالى تسعة أسابيع فى يوم 22 جمادى الآخرة سنة564هجرية / 1169 م . ولم يتردد الخليفة العاضد الفاطمى , وآخر سلالته فى حكم مصر , واختار القائد الشاب صلاح الدين وزيرا له دون أن يلتفت إلى مطالب الأمراء الكبار أو مطالبهم …..

وبدأ نجم صلاح الدين يتألق فى سماء السياسة بالمنطقة العربية .

*****

هذه الدراسة لا تهدف إلى عرض سيرة صلاح الدين الأيوبى ؛ وإنما تهدف إلى متابعة جهوده السياسية والعسكرية التى شكلت استراتيجيته لتحرير القدس من الفرنج الصليبيين . وبدأ صلاح الدين مسيرته بتوطيد سلطته ومركزه السياسى فى مصر وعيناه مفتوحتان على الجبهة الداخلية فى القاهرة من ناحية , وعلى نور الدين محمود صاحب السيادة الشرعية وما يمكن أن تنتهى إليه الأمور بينهما من ناحية أخرى . ففى الداخل كانت تواجهه مشكلة سياسية / عسكرية ؛ لأن الجيش الفاطمى الذى عاش زمنا طويلا فى أجواء التآمر , والتآمر المضاد , بين المتنافسين على السلطة لم يكن يدين بالولاء للخليفة العاضد الفاطمى نفسه . وجاءت الفرصة لتدميرالجيش الفاطمى تسعى إلى صلاح الدين عندما قام أحد الخصيان فى القصر الفاطمى اسمه , “مؤتمن الخلافة جوهر” ، بالتآمر مع الفرنج الصليبيين لغزو مصر والقضاء على صلاح الدين . وتم اكتشاف المؤامرة , وأعدم مدبروها , ثم أطبقت قوات صلاح الدين على الجنود السود الذين كانوا يشكلون قوات المشاة فى الجيش الفاطمى , وجرت مذبحة رهيبة على مدى يومين قضت عليهم تماما (11).

كانت النتيجة السياسية المباشرة لهذه الحادثة أن ازداد نفوذ صلاح الدين وسطوته فى مقابل تقلص نفوذ الخليفة العاضد الفاطمى . وأخذ صلاح الدين يحكم قبضته على الأمور الداخلية تماما ؛ فعيَن “بهاء الدين قراقوش الأسدى” مشرفا على شئون قصر الخلافة بدلا من “مؤتمن الخلافة “ المقتول. ثم أخذ يبنى مؤسسته العسكرية الخاصة بدلا من الجيش الفاطمى . أما علاقته بنور الدين محمود فظلت تراوح مكانها بين الشك واليقين .

ثم جاءت سنة 565هجرية / 1169م لتشد انتباه صلاح الدين إلى حقيقة المخاطر التى يمثلها الوجود الصليبى فى المنطقة العربية ؛ ففى عملية عسكرية مشتركة تحالف الصليبيون بقيادة ملكهم الطموح “عمورى الأول”  مع البيزنطيين بقيادة الإمبراطور “مانويل كومنينوس” (1143م- 1180م ) . شنوا هجوما على دمياط التى كانت الميناء المصرى الرئيسى فى البحر المتوسط , والتى كانت هدفا مفضلا للحملا ت الصليبية البحرية . وفى شهر صفر من هذه السنة نزلت القوات الصليبية على ساحل دمياط بمساندة الأسطول البيزنطى الذى كان مؤلفا من مائتى سفينة …. واستمر الحصارعلى دمياط واحدا وخمسين يوما دون أن يسفر عن أية نتائج إيجابية . وبينما كانت مقاومة المدافعين عن المدينة عنيفة وبطولية  , كشفت العداوة الكامنة بين الفرنج  والبيزنطيين عن وجهها القبيح . وانتهى الأمر بخيبة كبيرة للمهاجمين , وحرق “عمورى” معداته قبل انسحابه من المعركة على حين تكبد الأسطول البيزنطى خسائر جسيمة فى الرجال والسفن قبل أن ينسحب عائدا إلى بلاده (12) , ومن ناحية أخرى , كانت تلك الهزيمة العسكرية التى حاقت بالتحالف الصليبى / البيزنطى انتصارا سياسيا لصلاح الدين أضيف إلى رصيده وزاد من مكانته , وكان ذلك النصر بداية طيبة لسلسلة من التصرفات السياسية والإجراءات العسكرية التى اتخذها صلاح الدين وشكلت استراتيجيته لتحرير القدس….

ففى العام التالى 566هجرية / 1170م شن صلاح الدين هجوما على الصليبيين واسترد منهم غزة , وهاجم عسقلان والرملة , ثم خرج فى شهر ربيع الأول من السنة نفسها إلى ميناء أيلة على البحر الأحمر(العقبة حاليا) ومعه المراكب مفصلة على ظهور الإبل , وهناك أعيد تركيبها لتنزل المياه  وتستولى على الميناء لتحرم الصليبيين من المنفذ الوحيد لهم على البحر الأحمر(13) ؛ وبذلك ضمن صلاح الدين السيطرة على طريق التجارة البحرى الذى كانت تمر به بضائع المحيط الهندى غالية الثمن , كما ضمن أمن البحر الأحمر . لقد كان على صلاح الدين أن يمزج بين العمل السياسى , والفعل العسكرى , والإجراء الاقتصادى لكى يصل إلى هدفه النهائى : تحرير القدس من الفرنج الصليبيين

وفى القاهرة أخذ صلاح الدين يقوى نفوذه السياسى من جهة , ويتخذ الخطوات اللازمة لتقوية الوضع العسكرى من جهة أخرى . فقبض على أمراء الدولة الفاطمية واستولى على إقطاعاتهم  وأحل محلهم الأمراء الشاميين الذين جاءوا معه . بيد أن صلاح الدين تمهل فى إعلان نهاية الدولة الفاطمية حتى حانت اللحظة المناسبة ؛ وفى أول يوم جمعة من شهر المحرم سنة 567هجرية / 1171م أقيمت الخطبة للخليفة العباسى , وقطعت الخطبة للخليفة العاضد الفاطمى الذى مات فى اليوم الحادى عشر من الشهر نفسه دون أن يدرى أنه آخر الخلفاء الفاطميين (14). وهكذا, خلت الساحة الداخلية تماما لصلاح الدين ولكن التوتر الذى شاب علاقته بنور الدين محمود أخذ يظهر على السطح , وكان ذلك جزءا من المتاعب السياسية التى تعين عليه أن يتعامل معها بحذر. وعلى جبهة المواجهة مع الصليبيين كان الملك “عمورى الأول” ما يزال أسير سراب يجذبه نحو مصر؛ ولكنه فى هذه المرة لم يسلك طريق الحرب وإنما سعى فى طريق المؤامرة . فقد تآمر مع” عمارة اليمنى “ وبقايا القوى الموالية للفاطميين فى القاهرة ضد صلاح الدين ؛ وباءت المؤامرة بالفشل ,وتم صلب عمارة اليمنى وأعوانه . وعجز عمورى عن الحركة عندما علم بفشل المؤامرة وإعدام شركائه , وهرب الأسطول الذى أرسله النورمان فى صقلية من أمام ساحل الإسكندرية بعد أن خسر عددا من رجاله وسفنه (15) . وازدادت قامة صلاح الدين السياسية طولا……

وجاءت وفاة نور الدين محمود يوم 11شوال سنة 569هجرية / 15 مايو 1174م حلا قدريا لمشكلة العلاقة الحرجة بين الرجلين ؛ ثم مات الملك الصليبى “عمورى الأول” بعد شهرين من وفاة نور الدين محمود لتزيح من المسرح السياسى والعسكرى عدوا مزعجا . وكان وريث “عمورى” فى حكم مملكة بيت المقدس الصليبية صبيا فى الثالثة عشرة من عمره ومريضا بالجذام .  وعلى الجانب الآخر, كان الصالح اسماعيل وريث نور الدين محمود طفلا أيضا . ولم يكن ممكنا أن تكون هناك ظروف سياسية مواتية أكثر من ذلك لكى يتقدم صلاح الدين على الطريق لتحقيق هدفه . وفضلا عن التدهور السياسى والمنازعات الناشبة داخل الكيان الصليبى , لم تكن هناك قوة معاصرة  يمكن للصليبيين أن يتحالفوا معها فى مواجهة الجبهة التى كان صلاح الدين قد نجح فى بنائها حتى ذلك الحين ؛ ولم تكن أوربا قادرة على إرسال المساعدات اللازمة للفرنج الصليبيين .

كان على صلاح الدين أن يبرهن أنه رجل تلك المرحلة , وأن يستغل الرياح السياسية المواتية لقيادة سفينة الجهاد ضد الاستيطان الصليبى  . وكان أهم أهدافه فى تلك المرحلة إعادة بناء ما تصدع من دولة الوحدة التى  بناها نورالدين محمود . وبينما كان الأمراء الذين تخاطفوا هذه الدولة ما يزالون غارقين فى منازعاتهم الصغيرة ومنافساتهم للفوز بالوصاية على الأمير الصغير الصالح اسماعيل بن نور الدين محمود (16) , كان صلاح الدين يتصرف بذكاء سياسى باهر ؛ ففى سنة 570هجرية / 1174م , جاءته فى حماة ( التى كان قد ضمها إلى دولته منذ فترة وجيزة) رسل الخليفة العباسى بالتشريف  والأعلام السود ( شعار العباسيين ), وتوقيع من الخليفة بسلطنة مصر وبلاد الشام … وغيرها (17) . وكانت تلك مناورة سياسية بارعة جعلت من صلاح الدين الحاكم الشرعى وأظهرت الآخرين فى صورة الغاصبين الخارجين على الشرعية . ومنذ ذلك التاريخ أخذ صلاح الدين يسعى لتحقيق المرحلة الأولى من خطته لتحرير القدس : بناء الوحدة السياسية والعسكرية .                                                                                                                                                                                                                            واستعاد دمشق , وحمص , وحماة على التوالى  ؛ ثم سار إلى حلب التى طلب حاكمها المساعدة من”ريمون السانجيلى الثالث” حاكم طرابلس الذى جاء بجيشه  ولكنه لم يلبث أن تراجع عندما اقتربت القوات الإسلامية بقيادة صلاح الدين (18).    وفى العام التالى 571هجرية /1176م , عاد صلاح الدين ليفرض الحصار على حلب دونما نتيجة .

وعلى الجانب الصليبى كانت الأحوال فى تدهور مستمر ؛ ولم يكن ثمة أمل فى أن يغالب الصليبيون مشكلاتهم الداخلية الناجمة عن وجود ملك مريض على عرش المملكة تحت وصاية “ريمون الثالث السانجبلى” كونت طرابلس الذى لم يكن يحظى بموافقة جميع الأمراء الفرنج الصليبيين . ومن ناحية أخرى , كانت المشكلات الداخلية فى أوربا تحول دون الالتفات إلى مشكلات المستوطنين الصليبيين فى الشرق العربى . أما الإمبراطور البيزنطى “مانويل كومنينوس “ فقد قلم الأتراك السلاجقة أظافره ووضعوه فى موقف صعب بعد أن ألحق به السلطان السلجوقى” ألب أرسلان الثانى “ هزيمة كارثية فى معركة” مريوسيفالون  Myriocephalon فى سنة 1176م , حيث قضى على الجيش البيزنطى الذى كانت أسرة “كومنينوس” قد بنته على مدى عدة أجيال (19).

ولما كان جهاز المخابرات الذى بناه صلاح الدين قويا وممتازا , فقد عرف بسرعة أن التحالف البيزنطى الصليبى قد انهار ؛ وانتهز الفرصة لشن هجوم على الصليبيين فى منطقة الساحل الفلسطينى فى جمادى الأولى سنة573هجرية / 1177م ؛ وكانت تلك المرة الوحيدة التى أفرط فيها صلاح الدين فى ثقته بنفسه , وسمح لقواته أن تتحلل من النظام الصارم الذى وضعه لها : فقد لقى جيشه هزيمة ثقيلة ولكنها لم تغير من توازن القوى فى المنطقة (20). وأمضى صلاح الدين السنوات التالية فى مناوشات ومعارك عسكرية خفيفة ضد الصليبيين , وضد الأمراء الزنكيين المنافسين فى بلاد الشام وفى العراق على السواء ؛ فقد كان يسير في مسارين متوازيين فى الوقت نفسه : توحيد الجبهة العربية من جهة والاستعداد للحرب الفاصلة ضد الفرنج وتحرير القدس من جهة أخرى .

وفى سنة 578هجرية / 1182م , خرج صلاح الدين بجيشه قاصدا بلاد الشام ولم يعد إلى مصر ثانية ؛ فقد كانت السنوات التالية حاسمة فى الاستعداد للمعركة الفاصلة ضد الصليبيين . وبقى السلطان طوال السنوات الباقية من عمره محاربا فى فلسطين وبلاد الشام ضد الفرنج وضد الأمراء الزنكيين على السواء.

على الجانب الصليبى , كانت الأحوال تسير من سىء إلى الأسوأ ؛ إذ استعرت بينهم حمى الخصومات , وعجز ملكهم المجذوم عن فعل شىء , كما أن حليفهم القوى مانويل كومنين مات فى سبتمبر1180م ,كما تدهورت الإمبراطورية البيزنطية بحيث لم تعد قوة يحسب لها أحد حسابا فى شرق المتوسط (21). وعرف صلاح الدين كيف يستفيد من هذه الظروف للسير صوب هدفه . وقد استخدم ضد أعدائه من الفرنج ذلك المزيج المدهش من الدبلوماسية والدعاية والحرب النفسية واستعراض القوة الذى كان نور الدين يستخدمه , ولم يتردد فى استخدام الأسلوب نفسه ضد منافسيه من الأمراء الزنكيين . فعقد مع الفرنج هدنة سنة 1180م ؛ ولكن ضعف الملك المريض “بلدوين الرابع” أغرى “رينالد دى شاتيون” , أمير الكرك المشاغب , الذى لم يفهم سياسة لا تتماشى مع نزواته العدوانية (22).   وجاءت سنة 578هجرية / 1182م , سنة حاسمة فى قصة المواجهة الإسلامية / الصليبية .

ففى تلك الأثناء كانت دولة صلاح الدين تشمل مصر ومعظم الشام والعراق باستثناء حلب والموصل . وبقى ضم هاتين الإمارتين هدفا أمام عينى صلاح الدين لاستكمال بناء الجبهة المتحدة قبل الهجوم الحاسم على الصليبيين ؛ بيد أن محاولاته للاستيلاء على حلب بالقوة لم تسفر عن شىء (23).  وفى الوقت نفسه , قام “رينالد دى شاتيون” ( أرناط ) بشن هجوم على ميناء أيلة فى خريف تلك السنة , ثم أحرق عدة مراكب للتجار فى البحر الأحمر , واقتربت قواته كثيرا من المدينة المنورة . وقام الأسطول المصرى بمطاردة السفن الصليبية وأسرها بمن فيها ؛ ثم طارد الجنود المسلمون عددا من الفرنج الذين كانوا قد نزلوا على أرض الحجاز , وقبضوا عليهم . وساق الأمير” حسام الدين لؤلؤ “ , قائد الأسطول المصرى , إثنين من الفرنج إلى” منى “ وهناك   “… نحرهما كما ُتنحر البدن …”   , وعاد ببقية الأسرى إلى القاهرة  حيث أعدمهم جميعا (24) .

حفزت هذه الحادثة التى أثارت ثائرة المسلمين فى كل مكان السلطان صلاح الدين الأيوبى على المضى قدما فى محاولاته السياسية والعسكرية لتوحيد قوى المسلمين . وهنا ينبغى أن نضع فى اعتبارنا أن وعى صلاح الدين بالخطر الذى كان الفرنج يمثلونه من جهة , ومخاطر انقسام المنطقة العربية من جهة أخرى , كان قد نضج من خلال خبراته الأولى عندما كان ضابطا فى جيش “أسد الدين شيركوه” (25) .  ويرى الأستاذ “ديفيد جاكسون” أن السلطان كان يتمتع بقدر كبير من الفطنة السياسية , والبراعة فى إدارة شئون الدولة , وكان يذهب إلى أبعد مدى فى إعداد الأرضية السياسية والدبلوماسية قبل القيام بأى عمل عسكرى (26) .

على أية حال , جاءت سنة 579هجرية /1184م  لتشهد استسلام حلب لصلاح الدين بمقتضى اتفاقية صلح , وازدادت قوة السلطان رسوخا بالشكل الذى جعل مؤرخا فى وزن “ ستيفن رنسيمان “  يقرر أنه على مدى القرنين السابقين لم يشهد تاريخ المنطقة العربية حاكما فى قوة صلاح الدين الأيوبى (27) . ففى هذه السنة زحف بجيشه من دمشق قاصدا حصن الكرك مقر عدوه الكريه “أرناط “ , وحاصر الحصن فترة من الزمن دون أن يحقق مأربه (28), ويغلب على الظن أن صلاح الدين كان يريد بهذه المناوشات العسكرية استعراض قوته لأغراض سياسية ودعائية فى إطار الحرب النفسية التى كان يشنها ضد الفرنج . إذ إنه لم يكن ليقدم على شن الحرب الشاملة مادامت إمارة الموصل القوية تشكل تهديدا له , كما كان يدرك أن وحدة القوى السياسية والعسكرية فى المنطقة العربية أمر ضرورى , وشرط جوهرى , لضمان النصر فى حال نشوب الحرب الشاملة ضد الفرنج الصليبيين . ومن ناحية أخرى , كان يعرف تماما , بفضل مخابراته الممتازة , مدى الضعف الذى حاق بالكيان الصليبى . ومن ثم , كان فى مناوشاته العسكرية ضد الصليبيين يحاول أن يزيد من ضعفهم وأن ينهك قواهم العسكرية والسياسية ؛ حتى إذا ماجاءت اللحظة المناسبة تكون قدرتهم على المقاومة قد انهارت . ومن ناحية أخرى , كان يضع نصب عينيه هدف تحقيق الوحدة السباسية والعسكرية , أو العمل السياسى والعسكرى المشترك على الأقل , قبل هذه المواجهة الشاملة .

وعاد صلاح الدين إلى الهجوم على حصن الكرك الذى كان صاحبه المزعج “ أرناط” من أكثر الصليبيين استفزازا وإجراما , كما كان يشكل تهديدا خطيرا على طريق القوافل بين مصر والشام ؛ فضلا عن أنه لم يكن يحترم المعاهدات والاتفاقيات . وفى سنة 579هجرية / 1183م ,اتجه السلطان من دمشق إلى حصن الكرك , وخرجت التعزيزات من مصر للمشاركة فى الهجوم . وشق الجيش طريقه إلى داخل المدينة بالقوة , ولم يستطع “أرناط” أن يفعل شيئا سوى الهرب إلى داخل القلعة التى كانت تشهد احتفالا صاخبا بزواج إثنين من الأمراء الصليبيين الشباب . وبينما كانت قذائف المنجنيقات التسعة التى نصبها الجيش الإسلامى تمطر أسوار القلعة بالحجارة , استمر الغناء والرقص داخل القلعة . وقامت أم العروس بإ عداد  بعض الأطباق من وليمة العرس بنفسها وأرسلتها إلى السلطان الذى رد على هذه المجاملة بعدم قذف البرج الذى يقام به العرس ,,, واستمرت أعمال الحصار حتى جاءت أخبار قدوم التعزيزات الصليبية ؛ فغادر الجيش الكرك ليشتبك معهم عند نابلس وجنين فى الأراضى الفلسطينية (29) … ثم عاد إلى دمشق.

وإذا كنا قد فصَلنا الحديث عن هذه الحادثة , على الرغم من عدم أهميتها العسكرية , فإن الهدف من ذلك أن نوضح مدى اهتمام صلاح الدين بالقضايا الاستراتيجية التى يمكن أن تؤثر على تحقيق أهدافه . فقد كان وجود حصن الكرك يمثل خطرا شديدا على الطرق التى تجتازها القوافل التجارية والقوات العسكرية فيما بين مصر والشام .

ثم جرت تطورات سياسية زادت من قوة صلاح الدين على حين آتت مناوراته السياسية والعسكرية ثمارها ؛ فقد مات “ بلدوين الرابع” ملك بيت المقدس الصليبى بعد أن نهش مرض الجذام جسده الهزيل سنة 1185م . واضطر الصليبيون إلى عقد معاهدة صلح مع صلاح الدين الأيوبى مدتها أربع سنوات  مما أتاح له حرية التصرف  والمناورة ضد إمارة الموصل التى استجاب حاكمها للضغوط بعقد معاهدة اعترف فيها بالتبعية للسلطان . وكانت ترجمة هذه المعاهدة على المستوى العسكرى أن ازدادت قوة صلاح الدين فورا ستة آلاف فارس كانوا يشكلون جيش إمارة الموصل ؛ وهى قوة عسكرية كبيرة بمقاييس ذلك الزمان (30).   وعلى المستوى الاستراتيجى كان ميزان القوى قد مال بشكل حاسم إلى جانب المسلمين . وهكذا تحقق حلم صلاح الدين وهدفه الأساسى : تحقيق الوحدة السياسية والعسكرية . ثم جاءت سنة 581هجرية / 1185م تتويجا لاستراتيجية صلاح الدين العبقرية التى استخدم فيها مزيجا من القوة العسكرية والمناورات السياسية والحرب النفسية ؛ فضلا عن التخطيط الجيد لكل تحركاته .

إذ كان السلطان قد أتم بناء الأسطول المصرى بحيث صار قوة مرهوبة فى البحر الأحمر وفى البحر المتوسط  على السواء . كما أنه حاول عزل الفرنج الصليبيين عن كافة القوى المجاورة التى يمكن أن تمد إليهم يد العون ؛ فقد أقنع المدن التجارية الإيطالية بنقل تجارتها إلى مصر , ومن ناحية أخرى , أجرى إتصالات دبلوماسية بالبيزنطببن , وعقد اتفاقا مع الإمبراطور البيزنطى”أندرونيكوس”  الذى كان أسيرا لمخاوف الشك والريبة فى نوايا الغرب الأوربى (31) .

وجاءت سنة 582هجرية /1186م  تحمل نذر الحرب ودلائل الهزيمة للصليبيين : فقد انقسم الفرنج إلى فريقين بعد موت ملكهم المجذوم “بلدوين الرابع”. وكان خليفته “بلدوين الخامس” طفلا تحت الوصاية ولم يلبث أن مات فى صيف السنة نفسها . وبمناورة ذكية تمكنت “إيزابيللآ” إبنة “عمورى الأول” من التغلب على منافسيها وصار زوجها “ جاى لوزنيان “ ملكا على مملكة بيت المقدس الصليبية ؛ وبذلك انقسم الصليبيون إلى معسكرين : الملكة “إيزابيللا” وزوجها الذى جمع بين جمال الخلقة ودناءة الخلق , وكان معهما عدد من الصقور الذين كان من رأيهم أن الحرب والعنف هى الطريقة الوحيدة للتعامل مع المسلمين . أما المعسكر الآخر , فكان يضم عددا من الأمراء الفرنج بزعامة “ريمون الثالث السانجيلى”  كونت طرابلس الصليبى , وكان من رأيهم أنه من الأفضل مهادنة المسلمين ما دامت الظروف لاتسمح بقتالهم (32).

كان ذلك هو المشهد السياسى فى المنطقة العربية قبيل المواجهة الشاملة بين الجانبين ؛ ثم ظهر” أرناط” بحماقته المعهودة على المسرح لينضم إلى الصقور الصليبية الجائعة الهائجة وليقدم المبرر لصلاح الدين لشن الحرب . فقد انتهك هدنة السنوات الأربع بين المسلمين والصليبيين حين خرج من مكمنه فى الكرك ليرتكب آخر حماقاته إذ هاجم قافلة كبيرة للمسلمين وأسر من فيها واستولى على ما تحمله من بضائع …..  ودقت طبول الحرب فى المنطقة .  وفى رأى المؤرخ الألمانى “هانز ماير “ أنه لم يكن بوسع صلاح الدين أن يسكت إزاء هذه التهديدات المستمرة لطريق التجارة بين مصر والشام وتجارة البحر الأحمر والمحيط الهندى (33). وفى رأيى أن هذا الهجوم كان بمثابة الذريعة لشن الحرب الشاملة ضد الفرنج بعد أن انتهى من إعداد خططه الاستراتيجية لتلك الحرب .

وارتبك الصليبيون من جراء الأنباء التى وصلتهم عن الاستعدادات العسكرية من جانب المسلمين ؛ وكادت أن تنشب بينهم الحرب الأهلية (34) . ثم أجبرهم الخطر على الاتحاد. وبالقرب من بلدة الناصرة فى فلسطين جمع الفرنج أكبر جيش أمكن جمعه فى تاريخ الكيان الصليبى كله . فقد وصل عدد الجيش الصليبى إلى حوالى ثمانية عشر ألف من الفرسان والمشاة : منهم ألف ومائتى فارس من ذوى التسليح الثقيل , وأربعة آلاف فارس خفيفى التسليح ,وكان المشاة يشكلون بقية الجيش . وكانت تلك قوة ضخمة بمقاييس ذلك الزمان . ومن ناحية أخرى ,كان واضحا أن الفرنج الصليبيين كانوا فى حال من الذعر جعلتهم يجندون جميع الرجال القادرين على حمل السلاح فى الأراضى التى استولوا عليها .

أما قوات السلطان” الناصر صلاح الدين الأيوبى “ , فكانت تضم القوات التى خرج هو بنفسه على رأسها , إلى جانب القوات المصرية والعراقية التى جاءت تحت قيادة الأمراء التابعين له , أو القوات التى قادها أخوته وبنوه . وعلى الرغم من أننا لانملك معلومات إحصائية عن أعداد هذه الجيوش , فالواضح أنها ربما كانت تقترب فى أعدادها من الجيوش الصليبية . ومن المهم هنا أن نقرر أن تركيبة الجيوش الصليبية كانت تختلف عن تركيبة الجيوش الإسلامية : كما أن أساليبها القتالية كانت تختلف بشكل جذرى. (35)

وبدأت التحركات العسكرية على الجانبين فيما يشبه مباريات الشطرنج التى يستخدم فيها كل طرف ما يملك من الموارد على أفضل وجه , وما يتمتع به من جسارة وذكاء . وفى الوقت نفسه ,كان الفرنج مترددين مابين الأخذ بنصائح “ريمون السانجيلى الثالث” , كونت طرابلس , ورأى فرسان الداوية الذين كانوا يتسمون بالاندفاع والتهور . وهنا تجلت العبقرية العسكرية فى الأساليب التى اتبعها صلاح الدين . فقد كانت معركة حطين وما أعقبها من معارك , فى التحليل الأخير , تتويجا ناجحا للاستراتيجية التى سار عليها لكى يسترد بيت المقدس وتحريرالمسجد الأقصى.

ففى الفترة السابقة على معركة حطين قضى صلاح الدين الأيوبى حوالى ثلاثة عشر شهرا , بصورة متقطعة , فى القتال ضد الصليبيين , على حين أمضى ثلاثة وثلاثين شهرا , بصورة متقطعة أيضا , فى القتال من أجل بناء الجبهة المتحدة فى الفترة من خريف سنة 570هجرية /1174م , وسنة581هجرية / 1186م , عندما عقد معاهدة مع أمير الموصل ضمنت له السيادة الإسمية على هذه الإمارة القوية (36), ويمكن أن نخرج من هذه الحقيقة باستنتاج مؤداه أن السلطان كان يدرك تماما أن بناء الجبهة المتحدة أمر غاية فى الأهمية قبل مواجهة الصليبيين : فقد بادر بعد هذه المعاهدة إلى تنفيذ الجزء الأخير من استراتيجيته بعيدة المدى  لتحرير القدس . ويقول ديفيد جاكسون : “… وفى اعتقادى , من ثم ,  أن دافع صلاح الدين المتعلق بالإخلاص الدينى ، عندما يتم تقييمه بدقة , يجب أن ينال التقدير لعدم توفر أى دليل على عكسه . وعلى الرغم من وجود آراء مناقضة أخرى , فإننى أعتقد أنه يجب علينا أن نوافق على أن الدافع الأكبر لصلاح الدين كان فى الحقيقة مواصلة الجهاد , وأن هدفه الأعظم كان الاستيلاء على القدس وتدمير القوة العسكرية للمملكة الصليبية باعتبار ذلك الشرط الضرورى لتحقيق هذا الهدف . وبينما يمكن النظر إلى محاولته لقتال الأمراء المتنافسين باعتبارها خدمة لمصالحه ومصالح عائلته الخاصة ؛ فإننى على الرغم من هذا أعتقد أن سيرة حياته كلها تقدم الدليل على أن دوافعه ومبرراته الخاصة والمعلنة ظلت راسخة لا تتغير ….. لقد تمثل إنجاز صلاح الدين فى أنه كان قد اختار هدفا يمكن الوصول إليه…” (37)

أما الفرنج الصليبيون فكانت خطتهم تقوم على أساس تجنب المواجهة مع المسلمين قدر الإمكان ؛ ومن ثم قامت استراتيجيتهم على خطة دفاعية بحتة(38). وكانوا حريصين على الحيلولة دون نشوب حرب سريعة ينتصر فيها جيش المسلمين ( وقد كان هذا موقف الفرنج الصليبيين فى حروبهم على الدوام ) . وكان من رأى ريمون السانجيلى أن الجيش الصليبى إذا هاجم فى حرارة الصيف لن تكون له اليد العليا فى المعركة , واقتننع الملك الصليبى “جاى لوزنيان” برأيه فى البداية ؛ ولكن زعيم الفرسان الداوية والأمير الصليبى المشاكس “ أرناط “ هاجما “ريمون” واتهماه بالجبن وبأنه باع نفسه للمسلمين . ولما كان الملك الصليبى شخصية تفتقر إلى مؤهلات القيادة , فإنه غير رأيه مع هبوط الظلام . وفى تلك الأثناء  كان الصليبيون يعسكرون فى صفورية ذات الجنان الفيحاء والمياه الوفيرة . وكان من رأى ريمون أن يمكثوا فيها حتى لا يضطروا إلى قتال  المسلمين

ولم يتردد صلاح الدين فى اللجوء إلى مناورة عسكرية لإجبارهم على الخروج من مكمنهم الآمن فى صفورية ؛ ففى ربيع الأول سنة 583هجرية / 1187م , شن هجوما عنيفا على طبرية حيث كانت زوجة الكونت “ريمون السانجيلى” محاصرة فى قلعتها تطلب النجدة من الملك الصليبى (39), وآتت هذه المناورة العسكرية أكلها وعلى الرغم من أن “ريمون” نفسه هو الذى طلب من الفرنج عدم مغادرة صفورية لإنقاذ زوجته فى طبرية لأنه كان يدرك المخاطر المهلكة للمواجهة مع جيش المسلمين من ناحية , ولأنه كان يعرف أنه يمكن دفع الفدية لتحرير زوجته من ناحية أخرى , فإن مقدم فرسان الداوية تسلل بليل إلى خيمة الملك الصليبى وأقنعه بالمسير على طبرية . وفى الحال نودى فى المعسكر بالاستعداد للتحرك إلى طبرية . وفى يوم الجمعة 24 ربيع الآخر 583هجرية / 3يوليو 1187م الذى كان يوما قائظ الحرارة ساكن الهواء , تحرك الجيش الصليبى من حدائق صفورية الفيحاء إلى التلال العارية فى الطريق إلى طبرية (40) وكانت مخابرات صلاح الدين وقوات الاستطلاع فى جيشه قوية تمتاز بالكفاءة والمهارة كالعادة ؛ ومن ثم وصلت أخبار التحركات الصليبية إلى صلاح الدين .

وتحرك جيش صلاح الدين من معسكره فى “كفر سبت “ إلى حطين التى كانت قرية غنية بالمراعى وفيرة المياه . وهناك لحقت به الفرق الإسلامية الأخرى التى كانت ماتزال تحاصر طبرية .وبينما كان الجيش الفرنجى يسيرتحت شمس يوليو اللاهبة , كانت قوات المسلمين تهاجمه بأساليبها المعتادة بضرب جوانب الفرق الصليبية ومحاولة فسخ الفرق الصليبية المتراصة بهجمات الفرسان المسلمين الخفيفة ومناوراتهم الخاطفة . وحافظ الفرنج على تشكيلهم التقليدى فى صفوف متراصة , وحاولوا صد الهجمات المرهقة التى استمرت طوال اليوم ….وفى النهاية اضطر الصليبيون إلى التوقف بسبب هجمات المسلمين العنيفة على مؤخرة جيشهم وأجنابه (41) وأمضى الصليبيون ليلة تعيسة فى منطقة عديمة المياه بعد أن كان الحر القائظ , والغبار, وهجمات المسلمين قد نالت من قوتهم البدنية وقدرتهم النفسية على السواء . وكان معسكر الصليبيين فوق تل يشرف على بحيرة طبرية ولكنهم لم يكونوا قادرين على الوصول إلى الماء لأن المسلمين كانوا يحولون بينهم وبينه .

وامتزج سواد ليل الفرنج المزعج بالعطش الذى تملكهم وبالدخان الذى انبعث من النيران التى أضرمها جنود صلاح الدين فى الحشائش الجافة حول المعسكر الصليبى . وكانت أصوات الصلاة والتكبيرالآتية من معسكر المسلمين تزعجهم وتحط من معنوياتهم …. وعندما لاح نور الفجر , اكتشف الفرنج أنهم رهن الحصار التام . وحاولت قوات المشاة الصليبيين شق الطريق إلى الماء بالقوة ؛ ولكنهم تفرقوا بين قتيل وأسير . وبعد قتال عنيف لقى الصليبيون أسوأ هزيمة فى تاريخ الكيان الصليبي على الإطلاق .

ففى يوم السبت 25 ربيع الآخر 583هجرية / 4يوليو 1187م قضى الجيش الإسلامى على أكبر الجيوش الصليبية منذ قيام الكيان الصليبى . ولم ينج من الأسر أوالقتل سوى “ريمون السانجيلى الثالث” كونت طرابلس الذى هرب أثتاء المعركة ومعه عدد من أصدقائه . وحصدت سيوف المسلمين زهرة الجيوش الصليبية (42) . و فى هذه المعركة الكارثية بالنسبة للصليبيين تم تدمير القوات الرئيسية . وكانت النتائج المباشرة مصيبة كاملة ؛ إذ فقد الفرنج  الجنود والأسلحة ولم يبق سوى الحاميات الصغيرة التى كانوا قد تركوها فى الحصون والقلاع والمدن التى لم تلبث أن

يتبع

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
فاتن

avatar

المهنة : شئون قانونية
الجنس : انثى
علم الدولة علم الدولة :
عدد المساهمات : 87
نقاط : 4512
السٌّمعَة : 7
تاريخ الميلاد : 11/07/1987
تاريخ التسجيل : 14/04/2012
العمر : 30
العمل/الترفيه : البحث والاطلاع
المزاج : الحمد لله

مُساهمةموضوع: رد: صلاح الدين الأيوبى وحرب الاسترداد الإسلامية (تحرير القدس من الفرنج)   الخميس 5 مايو - 5:59


استسلمت بعد حطين . صحيح أن كوارث عسكرية سابقة نزلت على الفرنج الصليبيين قبل حطين , وصحيح أن عددا من زعمائهم لقوا مصا رعهم بسيوف المقاتلين المسلمين , وصحيح أيضا أن بعض ملوكهم وقعوا فى الأسر وسجنوا فى سجون المسلمين , وصحيح أن هزائم ثقيلة حلت بهم ؛ ولكن ماحدث فى معركة حطين كان أكثر من مجرد هزيمة عسكرية …. فقد تمكن جيش صلاح الدين الأيوبى من تدمير أكبر جيش صليبى وأيقن الصليبيون أن هزيمة واحدة يمكن أن تقضى على الكيان الذى أقاموه على الأرض العربية . حقيقة أن الحروب الصليبية لم تنته بعد حطين ؛ ولكن السبب فى ذلك كان راجعا إلى ضعف خلفاء صلاح الدين وتشرذمهم السياسى وخصوماتهم من ناحية , كما أن الصليبيين من بعد حطين لم يحققوا شيئا ذا بال من ناحية أخرى . والأهم من هذا كله أن معركة حطين التى شاركت فيها الجيوش المتحدة من مصر والشام والعراق إلى جانب المتطوعين من المغرب العربى كانت بمثابة العلامة الدالة على الطريق الصحيح لهزيمة العدو : العمل المشترك سياسيا وعسكريا فى المنطقة العربية ضد الاستيطان الصليبى . لقد كانت حطين تتويجا لجهود عماد الدين زنكى ونورالدين محمود ؛ ثم صلاح الدين  الأيوبى لبناء الجبهة المتحدة .

ومن هنا كانت الأهمية التاريخية لمعركة حطين ؛ومن هنا أيضا كان وقعها على الفرنج الصليبيين وعلى أوربا الكاثوليكية مريرا وقاسيا …

وعندما انقشع غبار المعركة كان الملك الصليبيى وكبار القادة الصليبيين يساقون فى أغلالهم إلى خيمة السلطان صلاح الدين . وجاء الحراس ومعهم الملك “جاى لوزنيان” , والأمير الصليبى الكريه “ أرناط “. ويصف لنا العماد الأصفهانى بأسلوبه المسجوع كيف أن السلطان وبخ “أرناط” بسبب أفعاله الدنيئة وعدم احترام العهود والمواثيق ؛ وكيف رد الأمير الأسير زاعما أن هذا دأب الملوك ؛ ثم كيف قتله السلطان وفاء لنذر كان قد قطعه على نفسه : “…. فلما دخل سرادقه , استحضر الابرنس فقام إليه وتلقاه بالسيف فحل عاتقه . وحين صٌرع أمر برأسه فقُطع , وجر برجله قدام الملك حين أُ خرج فارتاع وانزعج , فعرف السلطان أنه خامره الفزع , وساوره الهلع , وسامره الجزع . فاستدعاه واستدناه وأمَنه وطَمَنه , ومكنه من قربه وسكنَه ….”(43). كما أبقى على حياة مقدم فرسان الداوية وأعدم الفرسان الداوية جميعا(44) .

بعد ذلك واصلت قوات صلاح الدين الأيوبى زحفها الظافر بعد معركة حطين فى سهولة ويسر . وتذكر المصادر التاريخية أن المسلمين استعادوا بعد حطين إثنتين وخمسين مدينة وقلعة وحصنا من الصليبيين . ولم تكن الحاميات الهزيلة التى تركها الفرنج فى تلك المدن والقلاع والحصون بقادرة على أن تفعل شيئا غير الاستسلام بسبب عدم القدرة العسكرية من جهة , ولأن الفرنج كانوا يعرفون أن السلطان يحفظ وعوده بالأمان لمن يستسلمون صلحا من جهة أخرى .

وتقدمت جيوش صلاح الدين صوب عكا التى كانت أهم ميناء للصليبيين على البحر المتوسط وكانت غاية فى المناعة والتحصين . وبدأت تستعد لقتالها يوم الخميس أول جمادى الأولى سنة 583هجرية / 1187م  “… فخرج أهل البلد يطلبون الأمان , ويبذلون الإذعان , فأمَنهم وخيرهم بين المقام والانتقال , ووهب لهم عصمة الأنفس والأموال . وكان فى ظنهم أنه يستبيح دماءهم ويسبى ذرياتهم ونساءهم … فتركوا معظمهم المدينة …”(45)  وقد تم إنقاذ أسرى المسلمين الذين كانوا فى عكا وعددهم أكثر من أربعة آلاف أسير (46) . وبعد عكا التى استسلمت فى الثانى من جمادى الأولى 583هجرية / 10 يوليو1187م , تم استرداد كل من يافا , والناصرة , وصفورية , وقيسارية , ونابلس , , وتبنين , وصيدا , وبيروت , وجبيل , وعسقلان , وغزة , والداروم (قرب الأراضى المصرية ) فى مدى عدة أشهر قليلة بحيث كان فى وسعه أن يسير صوب القدس فى أواخر جمادى الآخرة سنة583هجرية / سبتمبر 1187م(47).

وكانت عسقلان أهم المعاقل التى حرص صلاح الدين على استردادها قبل أن يواصل الزحف صوب القدس . فقد كانت عسقلان ذات أهمية عسكرية واستراتيجية فائقة لكل من المسلمين والصليبيين على السواء ؛ إذ كانت قاعدة بحرية وبرية متقدمة يمكن لمن يمتلكها أن يشن منها الهجمات البرية والبحرية على العدو بشكل فعال . وعندما استردها المسلمون بعد أن ظلت فى أسر الفرنج الصليبيين خمسا وثلاثين سنة ,أمر السلطان بهدم أسوارها وحصونها حتى لايمكن للعدو أن يستخدمها إذا ما استولى عليها مرة أخرى .

ثم زحف السلطان بجيشه المنتصر قاصدا فتح بيت المقدس بالسيف (48) ؛ وربما كانت تراوده فكرة الانتقام لدماء المسلمين التى أهدرتها المذبحة الصليبية الرهيبة التى ارتكبها جنود الحملة الصليبية الأولى فى يوليو 1099م . وكانت تحت قيادة السلطان الناصر صلاح الدين يوسف الأيوبى فى هذا الزحف كل جيوش مساعديه وقادة قواته الذين كانوا يقومون فى ذلك الحين باسترداد المدن والحصون والقلاع التى كانت بحوزة الفرنج على امتداد الساحل الفلسطينى والشامى . وفرض السلطان الحصار على المدينة المقدسة فى يوم الأحد 15 رجب 583 هجرية / سبتمبر 1187م …

لم يكن الفصل الأخير فى قصة تحرير القدس سوى فصل قصير فى قصة طويلة ؛ فقد استغرق الحصار عشرين يوما فقط . لقد كانت قصة صراع مرهق مضنى استمرت فصولها ثمان وثمانين سنة ؛ منذ سقطت المدينة المقدسة فى أيدى الصليبيين فى السنة الأخيرة من القرن الحادى عشر الميلادى حتى تحريرها بأيدى المسلمين فى السابع والعشرين من شهر رجب سنة 583هجرية / الثانى من أكتوبر 1187م . وكان المشهد الأخير حافلا بالمتناقضات والمفارقات , ومليئا بالمشاهد المؤثرة , ولكنه كان متناقضا فى عمومه مع ذلك المشهد الوحشى الذى جرى قبل ثملن وثمانين سنة , بقدر ما كان كاشفا عن المواجهة بين حضارة عدوانية معتدية متعصبة ,وحضارة راقية تدافع عن نفسها ولا يأخذها زهو النصر إلى وحشية الهمجية .

عندما بدأت المنجنيقات التى نصبتها الجيوش الإسلامية تمطر أسوار المدينة وأبراجها بقذائفها من الحجارة الضخمة وقذائف النار ؛ ولكن المقاومة العنيدة التى أبداها الفرنج تحت قيادة الأمير الصليبى” باليان دى إبلين “ تحالفت مع حرارة الجو مما جعل السلطان يغير موقع المعسكر يوم 25رجب وينقله إلى الجانب الشمالى من المدينة . وظن الصليبيون أن الجيش الإسلامى قد رفع الحصار عن المدينة ؛ ولكنهم اكتشفوا أنهم أسرفوا فى التفاؤل عندما ظهرت القوات الإسلامية على جبل الزيتون الذى يشرف على القدس من ناحية وادى جهنم (49). وفى داخل المدينة كانت الملكة “إيزابيلا “  (سيبيلا ) تتولى أمور الدفاع عن المدينة ومعها البطريرك الكاثوليكى “هيراكليوس” , والأمير” باليان “ . ولجأت النساء الفرنجيات من الطبقة الأرستوقراطية , بتوجيه من “إيزابيلا” , إلى طقوس غريبة أملا فى أن تنجى الصليبيين من مصيرهم الذى بات واضحا . فقد قامت سيدات الطبقة الراقية من الفرنج بحلق شعور بناتهن وجردنهن من الملابس , وأخذن فى الاستحمام علنا فى العراء فوق أحد التلال فى القدس . (50) . ولكن المدينة المحاصرة لم تكن بحاجة إلى مثل هذه الطقوس العابثة ؛ وإنما كانت بحاجة إلى الرجال المقاتلين والسلاح وإرادة القتال …. وعرض “ باليان “ على السلطان تسليم المدينة صلحا فى مقابل الأمان ؛ ولكن السلطان كان يريد أخذها بالسيف . وفى هذا يقول “الأصفهانى”  إن الأمير الصليبى قال إنه إذا لم يقبل السلطان عرض الاستسلام فإنه سوف يدمر المدينة بما فيها المسجد الأقصى وقبة الصخرة , ويذبح النساء والأطفال “…فأية فائدة لكم فى هذا الشح , وكل خسر لكم فى هذا الربح , ورب خيبة جاءت من رجاء النجح , ولا يصلح السوء سوى الصلح …. “ وعقد السلطان مجلس حرب للتشاور حضره كبار الأمراء والقادة العسكريين , وانتهى الرأى إلى قبول استسلام الصليبيين (51).

ولابد أن المدافعين عن المدينة من الفرنج الصليبيين ، بقيادة الأمير “باليان دى إبلين “ قد شعروا بالامتنان لأنهم تحت رحمة خصم يحمل السجايا والصفات الأخلاقية التى كان الناصر صلاح الدين الأيوبى يتمتع بها ؛ فقد كانت تصرفاته معروفة ومشهورة :  ذلك أنه “… أظهر صلاح الدين رحمة وفروسية كبيرة فى التعامل مع الفرنج ؛ وبفضل هذه السجايا مارست جيوشه ضبط النفس عند النصر وتجنبت ارتكاب الأعمال الوحشية التى كانت شائعة فى ذلك الوقت …” (52) وبالفعل كان السلطان معروفا لمعاصريه بسلوكه الإنسانى ووفائه بوعوده. وعندما عرض “باليان” الاستسلام وافق السلطان بعد تردد كما سبق أن ذكرنا . واستسلمت المدينة المقدسة لمحرريها بعد أسر استمر طوال ثمانية وثمانين عاما . ووافق المسلمون على أن يدفع كل رجل فدية قدرها عشرة دنانير , وكل إمرأة خمسة دنانير , وفدية الطفل دينارين (53) . ودخل المسلمون القدس فى اليوم السابع والعشرين من شهر رجب سنة 583هجرية / الثانى من أكتوبر 1187م , وبقى بالمدينة أهلها من العرب ,وأتباع المذاهب المسيحية الشرقية ؛ على حين خرج الصليبيون الذين تمكنوا من دفع الفدية , والذين أعفاهم السلطان من دفعها لسبب أو لآخر , وخرج البطريرك “هيراكليوس”  ومعه الأموال والتحف الذهبية والفضية وذخائر ثمينة كثيرة كانت فى كنيسة القيامة تحت بصر الجنود المسلمين , وسمعهم , دون أن يتعرض له أحد تنفيذا لأوامر السلطان . وخرج “باليان” الذى بذل ما فى وسعه للدفاع عن المدينة , ثم جاء إلى خيمة السلطان للتفاوض من أجل تسليم المدينة بشروط كريمة للمدافعين عنها , وخرجت الملكة “إيزابيلا” وكبار الأمراء الذين كانوا معها فى القدس بمقتضى الأمان الذى منحه السلطان .

هذه الصورة الإنسانية التى بانت ملامحها يوم تحرير القدس , كانت موازية لصورة أخرى تشع فرحا وبهجة سرت فى العالم المسلم كله ؛ فعندما “… تسامع المسلمون بفتح بيت المقدس , فأتوه رجالا وركبانا من كل جهة لزيارته حتى كان من الجمع مالا ينحصر …”(54) وأقيمت الخطبة فى المسجد الأقصى بعد طول انقطاع , يوم الجمعة الرابع من شهر شعبان  سنة 583هجرية , وتم وضع المنبر الذى كان نورالدين محمود قد أعده لهذه المناسبة منذ وقت طويل . ويقول ابن الأثير إن صلاح الدين أمر بصنع منبر للمسجد الأقصى استعدادا ليوم تحريره فقيل له إن نور الدين محمود كان قد عمل منبرا بحلب أمر الصناع بالمبالغة فى تحسينه وإتقانه “…وقال هذا قد عملناه لينصب بالبيت المقدس ؛ فعمله النجارون فى عدة سنين , لم يعمل مثله فى الإسلام ؛ فأمر صلح الدين بإحضاره , فحمل من حلب ونصب بالقدس …” وكان الخطيب فى هذا اليوم “ القاضى محيى الدين بن الزكى “ ,وكان يرتدى الملابس السوداء شعار العباسيين وخطب خطبة بليغة بهذه المناسبة (56) .

لقد كانت الصلاة يوم الجمعة والخطبة والمنبر رموزا دالة على مسيرة الجهاد التى استمرت عدة أجيال لتحرير القدس من الفرنج الصليبيين .(57)   وبقى السلطان فترة من الزمن فى المدينة المقدسة لترتيب شئونها , وعاد إلى المدينة كل من كان الصليبيون قد طردوهم منها , وسمح السلطان لليهود بالعودة إلى القدس بعد أن كان الفرنج قد منعوهم من دخولها على أساس أنهم المسئولون عن آلام السيد المسيح ؛ ولكن غالبية اليهود فى فلسطين آنذاك كانوا يعيشون خارج القدس , كما أن أعدادهم فى فلسطين كلها كانت ضئيلة بشكل عام حسبما يتضح من رحلة بنيامين التطيلى ومن المصادر التاريخية الأخرى . وأمر السلطان بترميم المحراب العمرى القديم وكسوته بالرخام , وأزيلت الصور والأيقونات المسيحية التى كان الصليبيون قد وضعوها فى المسجد الأقصى ؛ كما هدمت المساكن التى كان فرسان الداوية يسكنون بها  فى ساحة المسجد الأقصى . وغسلت قبة الصخرة بكميات كبيرة من ماء الورد , وبخرت بأحسن أنواع البخور. وتم تعيين الموظفين المسئولين عن خدمة المسجد الأقصى . وأغلقت كنيسة القيامة عدة أيام ثم أعيد فتحها وسمح السلطان للفرنج بزيارتها وأداء صلواتهم بها .

*****

إن نظرة شاملة على الدور التاريخى لصلاح الدين الأيوبى واستراتيجيته لتحرير القدس لتكشف عن أن سيرة الرجل تستحق التقييم فى ضوء تحرير القدس . فقد كان اهتمامه موجها طوال عمره لتحقيق هذا الهدف , وكان يرى أن الجهاد هو السبيل الوحيد على المستوى السياسى والعسكرى لبلوغ هذه الغاية .

وقد كشفت الصفحات السابقة عن أن صلاح الدين بنى دولته على أساس من الوحدة الأخلاقية والدينية للعالم الإسلامى تحت راية الجهاد ضد الصليبيين , وتكشف سيرته أيضا عن أنه كرس الجزء الأكبر من جهوده لتحقيق الوحدة بين الفرقاء فى المنطقة العربية ؛على حين كانت معاركه ضد الصليبيين قد شغلت ثلث الوقت الذى استغرقته جهوده العسكرية ضد الأمراء الزنكيين وغيرهم من المارقين . لقد أدرك تماما أن التشرذم والأنانية  والفرقة السياسية , التى وصمت الحكام آنذاك , كانت هى السبب فى نجاح الفرنج . كما أدرك أن استمرار الوجود الصليبى فوق الأرض العربية رهين باستمرار انحطاط الخلق السياسى لدى الحكام . لقد كان موقف صلاح الدين فى حقيقته استمرارا لثورة عما الدين زنكى ونورالدين محمود على هذه الأوضاع الشاذة سياسيا وأخلاقيا , وقد عبر صلاح الدين عن هذه الحقيقة خير تعبير حين كتب إلى الخليفة العباسى المستضىء بالله : “…ولو أن أمور الحرب تصلحها الشركة , لما عز علينا أن يكون هناك كثير من المشاركين , ولا أساءنا أن تكون الدنيا كثيرة المالكين , وإنما أمور الحرب لاتحتمل فى التدبير إلا الوحدة ,فإذا صح التدبير, لم يحتمل فى اللقاء إلا العدة …”(58)

هذه الكلمات القليلة كانت خير تعبير عن استراتيجية الناصر فى استرداد بيت المقدس .

*******************************************************************

الهوامش والمراجع:

(1)D.C. Munro , “ The Speech of Pope Urban II at Clermon”, American Historical Review “”, XI (1906),pp. 231-242 ; H. Hagenmayer , “Chronologie de la Premiere Croisade 1094-1100”,Revue de l,Orient Latin , Paris 1893- Bruxelles 1962, VI, p.225>                                                    أنظر أيضا : قاسم عبده قاسم , ماهية الحروب الصليبية : الإيديولوجيا , الدوافع , النتائج ,( دار عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية – القاهرة 2004م) ,ص103 –ص108 .                                                                (2) Fulcher de Chartres , Historia Hierosolymitana- A History of the Expedition to Jerusalem ,1095-1122 (transl. by Francis Rita Rian. Xnoville 1969) ,pp. 62-69.أنظر الترجمة العربية لروايات كل من :فوشيه الشارترى والمؤرخ المجهول وروبير الراهب وجيوبرت النوجنتى  وبلدريك الدوللى  عن خطبة البابا أوربان الثانى فى : قاسم عبده قاسم , الحملة الصليبية الأولى – نصوص ووثائق تاريخية ( دار عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية , 2001م ) ,ص73-ص89.

(3)Fulcher de Chaetres,pp.45-128;William of Tyre ,A History of the Deeds done beyond the Sea,(transl. by Emily Atwater Babcock & A.C. Krey,Colombia University Press,1943) vol. I,pp.379- 385.

أنظر آيضا :ابن القلانسى ,ذيل تاريخ دمشق (نشره أمدروز ,بيروت 1908م ),ص136-ص137؛ ابن الأثير , الكامل فى التاريخ ,(الطبعة الثانية – دار الكتاب العربى ,بيروت 1967م ) ج8,ص189- ص190                                                                                        (4) ابن شداد , النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية (تحقيق جمال الدين الشيال 1964م) ص235- ص237؛ العماد الأصفهانى , الفتح القسى فى الفتح القدسى ,(تحقيق محمد محمود صبح , طبعة الهيئة العامة لقصور الثقافة 2003م )ص116- ص129 ؛ أبو شامة ,كتاب الروضتين فى أخبار الدولتين (طبعة دار الجيل – بيروت ) ,ج.2, ص28- ص47؛ ديفيد جاكسون ,” صلاح الدين : حطين والاستيلاء على القدس – وجهة نظر” فى : 800عام –حطين والعمل العربى المشترك (دار الشروق 1989م),ص86- 87.

Mayer , H. E., The Crusades(Oxford University Press 1972), pp.131-2.

(5) ابن القلانسى , ذيل تاريخ دمشق ,ص143- ص163 ؛ ابن الأثير , الكامل فى التاريخ , ج8 ,ص235-ص260؛ أنظرأيضا : Mayer,The Crusades ,pp.74-75

حيث نجد بيانا بالحدود التى وصلت إليها المستعمرات الصليبية .

(6)ابن القلانسى , ذيل تاريخ دمشق ,ص321- ص322؛ المقريزى , إتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفا (تحقيق محمد حلمى أحمد , وزارة الثقافة المصرية 1999م ),ج2,ص296-ص306؛ ابن الأثير , الكامل فى التاريخ ,ج9, ص42 ؛ William of Tyre , op. cit.vol. II,pp.220-234

(7) arshal W. BaMldwin , “The Latin States uder Baldwin III &Amalric I,1143-1174” in Setton (ed.), A History of the Crusades,(The University of Wisconsin Press 1969),vol. I, pp.536-38.

(Coolالمقريزى , اتعاظ الحنفا ,ج3, ص358-ص364؛ ابن الأثير , الكامل ,ج9,ص81 ؛ أبو شامة , الروضتين ,ج1,ص329-ص331؛ابن شداد ,النوادر السلطانية ,ص36William of Tyre ,op. cit.vol.II,pp.302-303.

(9) قاسم عبده قاسم ,فى تاريخ الأيوبيين والمماليك (دار عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية 2007م ),ص18-ص27.

(10)أبو شامة , الروضتين ج1, ص405؛ المقريزى , اتعاظ الحنفا ,ج3 ,304.

(11) أبو شامة ,المصدر السبق ,ج1,ص451-452؛ المقريزى , اتعاظ الحنفا ,ج3, ص313.

(12)ابن شداد ,النوادر السلطانية ,ص33-ص34؛ أبو شامة ,الروضتين ,ج1 ,ص456- ص457 ؛المقريزى , اتعاظ الحنفا ,ج3,ص315؛ابن الأثير ,الكامل ,ج9 ,ص105- ص106

William of Tyre, op. cit. ,vol.I, pp.363-368;Baldwin , op. cit. vol.I,pp.563- 568,565-566; Mayer, op. cit.p.124.

(13) أبو شامة ,الروضتين ,ج1, ص486؛ المقريزى ,اتعاظ الحنفا ,ج3,ص320؛

Mayer, op. cit. , pp.124.

(14)المقريزى ,اتعاظ الحنفا , ج3,ص321-ص327؛وقد ذكر المقريزى أن الخطبة كانت فى يوم الجمعة سابع شهر المحرم سنة 567هجرية ,وهو خطأ لأن الجمعة الثانية فى الشهر لايمكن أن تكون فى اليوم السابع من الشهر ؛وإنما تكون فى اليوم الثامن أو بعده ؛ أبو شامة , الروضتين , ج1,ص493- ص518

(15) أبو شامة , الروضتين ,ج1, ص518- ص567؛ابن واصل , مفرج الكروب فى أخبار بنى أيوب (تحقيق حسنين ربيع ,دار الكتب المصرية 1972-1977م),ج1,ص152وما بعدها ؛Mayer, op. cit. pp.124-125

(16) ابن شداد , النوادر السلطانية , ص49.

(17)المقريزى , السلوك لمعرفة دول الملوك ,( تحقيق محمد مصطفى زيادة , طبعة دار الكتب المصرية سنة 2007م ) ,ج1 ,ص59-ص60

(18) أبو شامة , الروضتين ,ج1 , ص602-ص603؛ ابن الأثير , الكامل ,ج11, ص165-ص166؛ المقريزى , السلوك , ج1, ص57-58.

(19) يقارن المؤرخون بين هذه الهزيمة الكارثية والهزيمة التى كان الأتراك السلاجقة قد أوقعوها بالبيزنطيين تحت حكم الإمبراطور “رومانوس ديوجينيس” فى مانزكرت (ملاذكرد)سنة 1071م . أنظر :

Steven Runciman , A History of the Crusades, (Harper & Torchbooks , New York 1955 ) vol., pp.407- II 408

(20) أبو شامة ,الروضتين , ج1, ص699-ص703؛ ابن شداد , النوادر السلطانية , ص42-ص43؛ المقريزى , السلوك ,ج1,ص64؛

Runciman ,op. cit., vol.II, pp. 416-418.

(21) Ibid , vol.II, pp.426-420 .

(22)المقريزى , السلوك ,ج1, ص72.

(23) نفسه ,ج1, ص74-ص75.

(24) ابن واصل ,مفرج الكروب ,ج2, ص137؛ المقريزى , السلوك ,ج1, ص78- ص79؛

Mayer ,op. cit. , pp.131- ff. ; Runciman ,op. cit ., vol.II, pp.436-437.

(25) ديفيد جاكسون , “ معركة حطين “ ,ص67-ص91.

(26) نفسه ,ص91.

(27) Runciman ,op.cit. , vol.II,p.435 .

(28) Hamilton Gibb, “ The Rise of Saladin “ ,in Setton (ed.) , A History of the Crusades, vol. I, pp.380-381.

أنظر أيضا : المقريزى , السلوك ,ج1,ص81-ص82 .

(29) المقريزى , السلوك ,ج1, ص83- ص84؛

Runciman ,op. cit. , vol. II , pp. 440- 445 .

(30) المقريزى , السلوك , ج1 , ص89- ص90

Mayer, op. cit. , p. 126 ; Runciman , op. cit. , vol. II , pp. 444  – 445 .

(31) Mayer , op. cit. pp. 127- 130 .

(32) Mayer , op. cit. , p. 130 ; Runciman , vol.II , pp. 447- 449 ;

جمال الدين الشيال , تاريخ مصر الإسلامية ,ج2: العصران الأيوبى والمملوكى , ص63- ص64 وقد أشار المقريزى (السلوك , ج1 , ص92 ) إلى هذه الحقيقة بقوله : “… ووقع الخلف بين الفرنج بطرابلس , فالتجأ القومص إلى السلطان , وصار يناصحه ….) وهو يقصد بالقمص الكونت ريمون الثالث السانجيلى أمير طرابلس الصليبى .

(33) Mayer, op. cit. p131.

(34) Runciman < op. cit. vol. II , pp451- 452 .

(35) ر. سى . سميل , الحروب الصليبية ( ترجمو سامى هاشم , المؤسسة العربية للدراسات والنشر , بيروت 1982م ) , ص69-83 ,ص95- ص124 حيث يتحدث عن الجيوش العربية والجيوش اللاتينية على التوالى .

(36) ديفيد جاكسون , “ معركة حطين “ , ص86 – ص87 .

(37) نفسه , ص92- ص93 .

(38) سميل , الحروب الصليبية , ص152- ص153 .

(39 ) نفسه , ص176- ص177 ز

(40) ابن شداد , النوادر السلطانية , ص60 – ص73 ؛ العماد الأصفهانى , الفتح القسى , ص17- ص45 ؛ مجهول ,البستان الجامع لجمع تواريخ الزمان (نشره كلود كاهن ) أنظر :

Claude Cahen , “ Une Chronique Syrienne de VI- XII Siecle : Le “ Bustan Al Jami “ , en Bulletin d, Etudes Orientales , toms. VI-VIII, (Annees 1937-1938 ) , pp. 146-ff.

(41) سميل , الحروب الصليبية ,ص179- ص180 .

(42) عن معركة حطين , أنظر : ابن الأثير , الكامل ,ج9 , ص177- ص179 وقد ذكر ابن الأثير مانصه “.. وكان من يرى الأسرى لكثرتهم لا يظن أن هناك  قتلى , فإذا رأى القتلى حسب أنه لم هناك أسرى…” أنظر أيضا : ابن شداد , النوادر السلطانية , ص60- ص73 ؛ الأصفهانى , الفتح القسى , ص17- ص45 ؛ ابن واصل , مفرج الكروب , ج2, ص187- ص192 ؛المقريزى , السلوك , ج1, ص93 ؛ ميخائيل زابوروف , الصليبيون فى الشرق (دار التقدم ,موسكو 1986م ) , ص191- ص192؛

Mayer,op. cit. , pp. 131-132 ; Runciman , op. cit. vol. II , pp. 450 -460 .

(43) الأصفهانى , الفتح القسى فى الفتح القدسى ,ص80- ص81 .

(44) المقريزى , السلوك ,ج1, ص93؛

Mayer, op, cit., pp. 131- 132 .

(45) الأصفهانى , الفتح القسى فى الفتح القدسى , ص89 – ص91 .

(46) ابن تغرى بردى , النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة ( طبعة مصورة عن طبعة دار الكتب المصرية – الهيئة العامة قصور الثقافة 2008م) ,ج6 , ص35 .

(47) الأصفهانى , الفتح القسى , ص92- ص115 ؛ ابن الأثير , الكامل , ج9 ,ص176 – ص178 , ابن تغرى بردى , النجوم الزاهرة , ج 6, ص35 – ص67 ؛ ابن واصل , مفرج الكروب , ج2 , ص209 – ص 211 ؛  المقريزى , السلوك , ج1 ,ص95 ؛ابن شداد , النوادر السلطانية , ص80 –ص81؛ أبو شامة , ج2 , ص95 ؛

Runciman , op . cit. , vol. II , pp.461- 462 .

(48) ابن واصل ,مفرج الكروب , ج2 , ص209- ص211 .

(49) ابن تغرى بردى , النجوم الزاهرة , ج6, ص36 ؛..Mayer,op.cit.p.132.

(50 ) Ibid , pp.131-132 .

(51) الأصفهانى , الفتح القسى , ص127 .

(52) مونتجومرى وات ,” الحملات الصيلبية : تصورات مختلفة “ فى كتاب ,  800عام – حطين والعمل العربى الموحد ( دار الشروق 1989م ) ,ص80 .

(53)ابن شداد , النوادر السلطانية , ص 129 ؛ الأصفهانى ,الفتح القسى , ص127- ص137 ؛ المقريزى , السلوك , ج1, ص97 ؛ ابن تغرى بردى , النجوم الزاهرة , ج6, ص36- ص37 ؛

Runciman , op. cit. , vol. II , pp. 264-266.

(54) المقريزى , السلوك , ج1 ,ص97 .

(55) ابن الأثير , الكامل , ج 9 ,ص182 وما بعدها .

(56) ابن شداد , النوادر السلطانية , ص235 – ص237 ؛ الأصفهانى , الفتح القسى , ص138- ص140 ؛ البستان الجامع , ص146 – ص147 ؛ المقريزى , السلوك ,ج 1 , ص96- ص99 ؛ ابن تغرى بردى , النجوم الزاهرة , ج6, ص37 ؛ أنظر أيضا :

Mayer , op. cit. p132; Runciman , op. cit. vol. II ,pp.446- 447.

(57) قاسم عبده قاسم , فى تاريخ الأيوبيين والمماليك ( دار عين للدراسات والبحوث 2007م ) , ص62 – 63

(58) أبو شامة , الروضتين , ص48 ؛ ابن واصل , واصل , مفرج الكروب , ج1, ص159 .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
صلاح الدين الأيوبى وحرب الاسترداد الإسلامية (تحرير القدس من الفرنج)
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
المركز القانونى للمحاماة والاستشارات القانونية - عبد الباقى عبد الجليل المحامى :: العامة :: مقالات وابحاث-
انتقل الى: